محمد الريشهري
186
موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ
والغالب على أهل الزهد ورفض الدنيا وهجران ملاذّها والاشتغال بمواعظ الناس ، وتخويفهم المعاد ، وتذكيرهم الموت ، أن يكونوا ذوي رقّة ولين ، وضعف قلب ، وخَوَر طبع ، وهاتان حالتان متضادّتان ، وقد اجتمعتا له ( عليه السلام ) . ومنها : أنّ الغالب على ذوي الشجاعة وإراقة الدماء أن يكونوا ذوي أخلاق سبعيّة ، وطباع حوشيّة ، وغرائز وحشيّة ، وكذلك الغالب على أهل الزهادة وأرباب الوعظ والتذكير ورفض الدنيا أن يكونوا ذوي انقباض في الأخلاق ، وعبوس في الوجوه ، ونفار من الناس واستيحاش . وأمير المؤمنين ( عليه السلام ) كان أشجع الناس وأعظمهم إراقةً للدم ، وأزهد الناس وأبعدهم عن ملاذّ الدنيا ، وأكثرهم وعظاً وتذكيراً بأيّام الله ومَثُلاته ( 1 ) ، وأشدّهم اجتهاداً في العبادة وآداباً لنفسه في المعاملة . وكان مع ذلك ألطف العالم أخلاقاً ، وأسفرهم وجهاً ، وأكثرهم بِشراً ، وأوفاهم هشاشة ، وأبعدهم عن انقباض موحش ، أو خُلُق نافر ، أو تجهّم مباعد ، أو غلظة وفظاظة تنفر معهما نفس ، أو يتكدّر معهما قلب . حتى عيب بالدعابة ، ولمّا لم يجدوا فيه مغمزاً ولا مطعناً تعلّقوا بها ، واعتمدوا في التنفير عنه عليها " وتلك شكاة ظاهر عنك عارها " . وهذا من عجائبه وغرائبه اللطيفة . ومنها : أنّ الغالب على شرفاء الناس ومن هو من أهل بيت السيادة والرياسة أن يكون ذا كبر وتيه وتعظّم وتغطرس ، خصوصاً إذا أُضيف إلى شرفه من جهة النسب شرفه من جهات أُخرى ، وكان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في مُصاص ( 2 ) الشرف
--> ( 1 ) المَثُلات : الأشباه والأمثال ممّا يعتبر به ( مجمع البحرين : 3 / 1671 ) . ( 2 ) المُصاص : خالص كلّ شيء ( لسان العرب : 7 / 91 ) .